سيد محمد طنطاوي

241

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) * لأقوالهم وأفعالهم ، وعقائدهم ، بحيث أخلص العبادة للَّه - تعالى - وأطيعه في السر والعلن . وهكذا يصور القرآن الكريم أحوال النفوس في الآخرة ، تصويرا مؤثرا بليغا ، يحمل كل عاقل على الإيمان الصالح الذي ينفعه في ذلك اليوم الهائل الشديد . وقوله - سبحانه - : * ( بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ) * رد منه - عز وجل - على هذا القائل : * ( لَوْ أَنَّ اللَّه هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) * وتكذيب له في هذه الدعوى . والمراد بالآيات : الحجج والبراهين الدالة على حقيقة دين الإسلام ، وعلى رأسها آيات القرآن الكريم . أي ليس الأمر كما ذكرت أيها النادم على ما فرط منه ، من أن اللَّه لم يهدك إلى الطريق القويم ، بل الحق أن اللَّه - تعالى - قد أرشدك إليه عن طريق إرسال رسوله ، وإنزال كتابه ، ولكنك كذبت رسوله ، واستكبرت عن سماع آيات اللَّه وعن اتباعها ، وكنت في دنياك من الكافرين بها ، الجاحدين لصدقها ، فأصابك ما أصابك من عذاب في الآخرة بسبب أعمالك القبيحة في الدنيا . قال الشوكاني : وجاء - سبحانه - بخطاب المذكر في قوله : « جاءتك ، وكذبت واستكبرت ، وكنت » لأن النفس تطلق على المذكر والمؤنث . قال المبرد : تقول العرب . نفس واحد . أي ، إنسان واحد . . « 1 » . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال الكافرين والمؤمنين يوم القيامة ، وعن مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - وعن تلقين اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم الجواب الذي يرد به على المشركين . وعن أحوال الناس عند النفخ في الصور . . قال - تعالى - . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 60 إلى 70 ] ويَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) ويُنَجِّي اللَّه الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 ) اللَّه خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) لَه مَقالِيدُ السَّماواتِ والأَرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّه أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 63 ) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّه تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ( 64 ) ولَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 ) بَلِ اللَّه فَاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) وما قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قَدْرِه والأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُه يَوْمَ الْقِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 ) ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّه ثُمَّ نُفِخَ فِيه أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 ) وأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الْكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 69 ) ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ( 70 )

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 4 ص 472 .